المقداد السيوري
323
إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين
كثرة الصوارف والموانع الداخلة والخارجة ، كالشهوة والغضب والاشتغال بالأهل والولد ، وأما الملائكة فلانهم مبرءون عن الشهوات والغضب وغير ذلك من الموانع عماهم بصدده ، ولا شك أن العبادة مع العائق أشق منها مع عدم العائق . وأما الثاني : فلقوله عليه السلام « أفضل العبادة أحمزها » أي أشقها فيكون القائم بها أفضل ، وهو المطلوب . احتجت المعتزلة بوجهين : الأول - قوله تعالى ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ « 1 » ووجه الاستدلال أن إبليس رغب آدم عليه السلام من الاكل من الشجرة رجاء حصول الملائكة له بقوله « إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ » أو « تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ » أي لو أكلتما لحصل لكما أحد هاتين المرتبتين فنها كما كراهة حصولها لكما ، وهذا يدل على أن الملائكة أعلى مرتبة من الأنبياء . الثاني - قوله تعالى لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ « 2 » ووجه الاستدلال أن العرب قد جرت عادتهم بأنهم إذا أرادوا تعظيم شخص بنفي فعل من الغير يقدموا الأدنى ويتبعونه بالأعظم ، كما يقال فلان لا يرد الوزير ، قوله « بل ولا السلطان » وتأخير النفي في الآية يدل على ما قلناه . والجواب عن الأول : أن المراد ما نهاكما الا إرادة أن تتشبها بالملك في عدم الاغتذاء ، فتكونا مجردين ، فتحصل لكما الكمالات النفسانية ، وهو كاره أن تكونا من الخالدين ، ويحصل لكما الكمالات البدنية ، وهو ليس بناصح فيما أراد حصوله لكما وأنا أدلكما على ما يحصل لكما الكمالات النفسية « 3 » والبدنية
--> ( 1 ) سورة الأعراف : 21 . ( 2 ) سورة النساء : 172 . ( 3 ) في « ن » : النفسانية .